أحمد بن علي القلقشندي
5
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأما في الشّرع فعبارة عن صلح يقع بين زعيمين في زمن معلوم بشروط مخصوصة ، على ما سيأتي بيانه فيما بعد ، إن شاء اللَّه تعالى . والأصل فيها أن تكون بين ملكين مسلم وكافر ، أو بين نائبيهما ، أو بين أحدهما ونائب الآخر . وعلى ذلك رتّب الفقهاء رحمهم اللَّه باب الهدنة في كتبهم . قال صاحب « موادّ البيان » ( 1 ) : وقد يتعاقد عظماء أهل الإسلام على التّوادع والتّسالم واعتقاد المودّة والتّصافي ، والتّوازر والتّعاون ، والتّعاضد والتّناصر ، ويشترط الأضعف منهم للأقوى تسليم بعض ما في يده والتّفادي عنه بمعاطفته والانقياد إلى اتّباعه ، والطاعة والاحترام في المخاطبة ، والمجاملة في المعاملة ، أو الإمداد بجيش ، أو امتثال الأوامر والنواهي وغيرها مما لا يحصى . قلت : وقد يكون الملكان متساويين في الرّتبة أو متقاربين ، فيقع التّعاقد بينهما على المسالمة والمصافاة ، والموازرة والمعاونة ، وكفّ الأذيّة والإضرار وما في معنى ذلك ، دون أن يلتزم أحدهما للآخر شيئا يقوم به أو إتاوة يحملها إليه ؛ ولكلّ مقام مقال ، والكاتب الماهر يوفّي كلّ مقام حقّه ، ويعطي كلّ فصل من الفصول مستحقّه . الطرف الثاني ( في أصل وضعها ) أمّا مهادنة أهل الكفر فالأصل فيها قوله تعالى : * ( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) * ( 2 ) الآية ، وقوله : * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) * ( 3 ) . وما ثبت في صحيح البخاريّ من حديث عروة بن الزّبير رضي اللَّه عنه ،
--> ( 1 ) وهو علي بن خلف . وقد مر ذكره في الأجزاء السابقة . ( 2 ) التوبة / 2 . ( 3 ) الأنفال / 61 .